يُعدّ الغزل والخمر من أبرز الموضوعات الّتي شكّلت البنية الوجدانيّة في شعر أبي الفتح البُستيّ، إذ ينهض كلّ منهما بوظيفة جماليّة وتعبيريّة تتجاوز حدود الوصف التّقليديّ. ففي الغزل يبدو البُستيّ شاعراً مرهف الحسّ، جمع بين نقاء الشّعور وحضور العقل، قدّم صورة للمحبّ العارف بتقلّبات الهوى، والمتأمّل في أثر الجمال على النّفس، غزله يتّسم بلغة رشيقة وصور دقيقة تُبرز الجاذبيّة الرّوحيّة قبل المحسوسة، ممّا يمنح شعره بُعداً نفسيّاً واضحاً.
أمّا الخمرة في شعره تتجاوز معناها الحسّيّ لتصبح رمزاً لتجربة روحيّة ونفسيّة، فلا تأتي مجرّد احتفاء بمذاق الشّراب أو مجالسه، بل تُستحضر غالباً بوصفها رمزاً للتحرّر من أثقال الواقع ووسيلة لتجديد صفاء الرّوح.
جمع البُستيّ في غزله وخمريّاته ضمن رؤية متكاملة، تعكس طبيعة النّفس في صراعها بين العقل والوجدان، وبين نقاء العاطفة وجماليّة التّعبير، وبين شفافيّة الشّعور ونضج الرّؤية، وهو ما جعل تجربته الوجدانيّة حيّة وحاضرة، قادرة على أن تُبرز صورة الباحث عن الجمال في وجه المحبوب كما في صفاء الكأس، وعن الخِفّة النّفسيّة في الحبّ كما في الشّراب.